محمد أبو زهرة
5063
زهرة التفاسير
ابتدائها وهي الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى وحده ، وهذا نوح الأب الثاني للبشرية يقول اللّه تعالت كلماته فيه : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 23 ) . ناداهم مقربا لنفوسهم متلطفا معهم في القول : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ابتدأ بذكر أنهم قومه الذين ألفهم وألفوه ، وجربوه ، ولم يعهدوا عليه كذبا ، وما أشبه هذا بقول محمد صلى اللّه عليه وسلم في أول دعوته لقريش : « أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى ؟ قالوا : نعم ؛ ما جربنا عليك إلا صدقا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد » « 1 » قال نوح لقومه : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحده فلا عبادة إلا له وحده ؛ ولذا قال بعد ذلك ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ مِنْ لاستغراق النفي ، أي ليس لكم أي إله غيره ، فلا ألوهية إلا له سبحانه وتعالى ، وحرضهم على الطاعة ، وخلع عبادة الأوثان ، فقال : أَ فَلا تَتَّقُونَ ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي ترتب على الأمر بعبادته سبحانه وحده وبطلان عبادة الأوثان التي يعبدونها أن يطلب منهم محرضا تقوى اللّه واتقاء عذابه ، والفاء مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة ، والاستفهام للتنبيه ، والتحريض على اتقاء العذاب ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لقومه في أول دعوته : « إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا » « 2 » . هذا كلام نوح - عليه السلام - في دعوته قومه ، وقد بينا أنه يتشابه مع دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم قومه ، وقد كان جواب قومه بعد أن دعاهم عليه السلام مشابها لإجابة قريش لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أمعن في دعوته ، قالوا له عليه السلام : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) .
--> ( 1 ) رواه البخاري : تفسير القرآن وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 4397 ) وبنحوه مسلم : الإيمان في قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 307 ) من رواية ابن عباس رضى اللّه عنهما . ( 2 ) سبق تخريجه .